سيد محمد طنطاوي

266

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

اشتملت عليها صالحة لكل زمان ومكان ، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، وعلى رأس هذه التوجيهات السامية التي اشتملت عليها : دعوة المسلمين إلى التزام العدالة في أحكامهم ، وحضهم على الصبر والصفح ما دام ذلك لا يضر بمصلحتهم ومصلحة الدعوة الإسلامية . وشبيه بهذه الآية الكريمة قوله - تعالى - : وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها ، فَمَنْ عَفا وأَصْلَحَ فَأَجْرُه عَلَى اللَّه . . . « 1 » . ثم أمر - سبحانه - بالصبر أمرا صريحا ، بعد أن بين حسن عاقبته فقال : * ( واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّه . . . ) * . أي : : واصبر - أيها الرسول الكريم - على أذى قومك ، وما صبرك في حال من الأحوال بمؤت ثماره المرجوة منه إلا بتوفيق اللَّه - تعالى - لك ، وبتثبيته إياك ، وما دام الأمر كذلك فالجأ إليه وحده ، واستعن به - سبحانه - في كل أمورك ، فالاستثناء مفرغ من أعم الأحوال . ثم نهاه - سبحانه - عن الحزن بسبب كفر الكافرين ، فإن الهداية والإضلال بقدرة اللَّه وحده فقال - تعالى - : * ( ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ) * . أي ولا تحزن بسبب كفر الكافرين ، وإصرارهم على ذلك ، وإعراضهم عن دعوتك ، ولا يضق صدرك بمكرهم ، فإن اللَّه - تعالى - ناصرك عليهم ، ومنجيك من شرورهم . وقوله - تعالى - : * ( إِنَّ اللَّه مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ) * تعليل لما سبق من أمره بالصبر ، ومن نهيه عن الحزن وضيق الصدر . أي : إن اللَّه - تعالى - بمعونته وتأييده مع الذين اتقوه في كل أحوالهم ، وصانوا أنفسهم عن كل ما لا يرضاه . ومع الذين يحسنون القول والعلم ، بأن يؤدوهما بالطريقة التي أمر الإسلام بها ، ومن كان اللَّه - تعالى - معه ، سعد في دنياه وفي أخراه . وقد قيل لبعض الصالحين وهو يحتضر : أوص . فقال : إنما الوصية من المال . ولا مال لي ،

--> ( 1 ) سورة الشورى الآية 40 .